بعد أزمة العجارمة.. هل يسير الأردن نحو الانفجار الاجتماعي؟

قبل 8 أيام

شارك على

بقلم/ ياسر المعادات

بعد سلسلة حوادث وأحداث سلَّطت الضوء على الحنق والغضب الذي يسيطر على الأردنيين، في ظل انعدام أفق التغيير أمامهم وتردّي أحوال معيشتهم وبؤس واقعهم، بعد كل هذا تعود النخبة الحاكمة، وعلى رأسها النائب أسامة العجارمة، لافتعال أزمةٍ جديدةٍ ‏يؤكد فيها الأردنيون ازدياد حنقهم وغضبهم، فيما تتوقع السلطة رد فعلٍ أقل شراسةً منهم!

هبّة الشعب الأردني للدفاع عن نقابة المعلمين باعتبارها إنجازاً ديمقراطياً شعبياً، في ظل الهجمة الرسمية والعرفية الشرسة على النقابة، بعد أن نجح إضراب المعلمين وشعروا بطعم الإنجاز عبر نيلهم لحقوقهم، كانت رسالةً صريحةً للنخبة الحاكمة أن السيل قد بلغ الزبى، وأن أي محاولاتٍ للالتفاف على الاستحقاق الوطني في التغيير، أي "تغيير النهج لا الوجوه"، لن يمر دون موقفٍ شعبيٍّ حاسم.

لم يفهم النظام تلك الرسالة، وحتى مع انتفاضة الناس إثر فاجعة "السلط"، ظلت النخبة تدفن رأسها دونما أي استيعاب للحظة الفارقة، معتمدةً على موجات الوباء الشرسة وعلى بنود "قانون الدفاع" لتقييد غضب الناس والسيطرة عليه أمنياً.

خطاب العجارمة

أَلفظٌ كالذي تفوّه به العجارمة تُصنع منه أزمة تعصف بالبلد بهذا الشكل؟!

هذا ‏سؤال لا يمكن لنظرة سطحية الإجابة عنه، ولكنّ عسف السلطة وندرة "عقلائها" من جهةٍ، وازدياد غضب الناس وانتشار البؤس بينهم من جهةٍ أخرى صنع الأزمة، وما النائب البرلماني "أسامة العجارمة" بخطابه القبلي سوى عرضها، وما مجلس النواب بأفعاله إلا هامشها.

النائب العجارمة: طُز بالنواب وبالنظام الداخلي

لو كانت النخبة المتكلّسة في السلطة قادرةً على قراءة التغير في المزاج الشعبي تجاهها، لما أقدمت على إذكاء غضب الناس صوبها، مسرّعةً انفجاراً اجتماعياً لا مناص منه، كان بإمكانها التعجيل في تغيير نهج الحكم، ولكنّها ارتأت عوض ذاك الشروع في عرض مسرحي عنوانه الإصلاح، يقوم به من لفظهم الناس سابقاً.

ولكن لمَ الغضب؟

في ظل نسبة بطالةٍ تقارب ربع القوى العاملة وتتجاوز النصف بين الشباب الأردني، وفي ظل شراسة الوباء التي أجهزت على مدّخرات الناس "على ندرتها"، بسبب تعاطي الدولة العسكرتاري العقيم مع الوباء، وفي ظل انعدام أفق لتحسين أحوال الناس التي أنهكتها الحلول النيوليبرالية الضرائبية، فإنّ الأزمة الاقتصادية تذكي غضب الناس وتزيد من حنقهم.

وفي ظل احتكار نخبةٍ كهذه للسلطة، وقمعها كل محاولات تنظيم النّاس أنفسهم في أحزاب وتنظيمات تحاول تعاطي السياسة، وأكثر من ذلك في ظل حرب السلطة على كل من يحاول الدفاع عن مصالح الناس كنقابة المعلمين، بالتوازي مع استمرار نهجي الفساد والاستبداد، واعتماد سياسة المحاباة وتدوير المناصب، مع تنزيه القصر عن أي تبعةٍ أو محاسبةٍ، فإن عوامل الأزمة السياسية تضيف حطباً إلى نار غضب الناس المتقدة.

ذيلية الطبقة الوسطى

ردود فعل "نشطاء" الطبقة الوسطى الغاضبة والمرتجفة تجاه الأزمة الحالية، تذكّر بخطابهم المتعالي والمرتجف تجاه الفقراء من الناس بداية الوباء، باعتبارهم ناشري فيروس الوباء العالمي، المهدد لنمط عيش الطبقة الوسطى، في تكرارٍ لصدى صوت نشطاء منظمات المجتمع المدني مُنبتّي الصلة بواقعنا الاجتماعي الأردني.

في النهاية سيبقى هذا الخطاب يراوح هوامش السلطة المحددة مسبقاً، والتي لا تجاوز مقولة "الإصلاح" المهترئة، والتي لفظها الشعب وأصبح يستهزئ بمن يستخدمها، ولكن لا يبدو أنّ الأمر يقلق النشطاء السياسيين، بحكم امتلاكهم منصاتٍ تساعدهم على البقاء في الصورة، في انتظار انتهاز فرصتهم وقت أوانها.

لا يقدم العجارمة أي جديدٍ، ولا يعول عليه لقيادة حراكٍ وطنيٍّ بخطاب استعراضي ينتمي لزمن ما قبل الدولة، ولكن الأزمة التي تدور حوله تقربنا أكثر فأكثر من الانفجار الاجتماعي، فهل يظهر لنا "عقلاء" في الدولة يقودوننا لبر التغيير الاجتماعي بأقل كلفة؟

قمع "الحراكيين"

في خضمّ الممارسات القمعية التي قامت بها أجهزة الدولة في الأزمة الأخيرة، في مقابل خطاب العظمة الذي دخل به النائب العجارمة وأودى بمستقبله السياسي، في خضمّ كل هذا يمر خبر اعتقال أجهزة الحكومة لعددٍ من الحراكيين الفاعلين ليومٍ قبل إطلاق سراحهم دونما التفات، وكأنّه أمرٌ طبيعيٌّ أن تزج إنساناً فى السجن احترازياً ودون مسوغاتٍ قانونيةٍ مقنعةٍ!

لعل تجربة هؤلاء "الحراكيين" وخوف أجهزة الحكومة من بثّهم لخطابٍ سياسي عقلاني تحرف الأمور عن مسارها الأهوج الذي آلت إليه، جعل عقل الدولة الأمني يتحرك سريعاً لتلافي هذا السيناريو، ولكنّ مرور الأمر بهذا اليسر وبهذه السهولة -أي الاعتقال- يدلل إلى أي هوة سقطنا، فيما يؤكد "نشطاء" الطبقة الوسطى والمجتمع المدني على أهمية الحفاظ على مظاهر الدولة المدنية.