رحيل الشاعر الكبير سعدي يوسف

قبل 3 أشهر

شارك على

الرئيس/ علي ناصر محمد*

 اينما يذهب الشاعر يترك اثراً، حتى حين يذهب إلى الموت، هذا سر خلود الشاعر والمبدع عموماً وسعدي يوسف ليس أي شاعر، فهو شاعر كبير تميزه فرادته وإنسانيته وعالمه الخاص الذي يصوغ مفرداته وموقفه من الحياة وكل ما يحيط به، إنه عالم فريد ليس لسعدي يوسف بل لنفسه وللآخرين.

أعتقد أن هذا ما يمنح حياة الشاعر معنى وقيمة، ذلك الرباط الحميمي الذي لا يجعل شاعراً كبيراً مثل سعدي يوسف يشيح بوجهه عن الحياة ويترك محبيه للحزن والألم. ما إن مر وقت قصير على وجوده في عدن حتى حول إقامته القصيرة التي لم تستمر طويلا إلى حضور ملهم للمبدعين.

أما كيف جاء سعدي إلى عدن،

فعقب مغادرة منظمة التحرير الفلسطينية بيروت جراء العدوان الإسرائيلي على لبنان والمنظمة وحصار بيروت عام 1982م وجهنا سفارتنا هناك باستضافة عدد من الكتاب والشعراء العرب المنفيين في لبنان للانتقال والعيش في عدن.

كان الشاعر الكبير سعدي يوسف على رأس الذين لبوا دعوتنا وتم استقباله بحفاوة رسمية وشعبية تليقان بمكانة هذا الاديب العربي المناضل الفذ. وقد تعرفت اليه اول ما تعرفت في عدن، لكني قرأت له قبل ذلك الكثير ثم التقينا بعدها في دمشق وبيروت والعديد من البلدان وواظبت على متابعة كل جديد يصدره ما يميز سعدي يوسف هو التواضع الجم الذي يختفي خلفه شاعر عظيم فيمنحك العبور الى ذاته الانسانية، إنه درس كبير جدا لكل من يريد ان يصعد سلم المجد دون ان يقتله الكبرياء ..

كانت عدن خلال هذه الفترة غاصة بالعراقيين والعرب المنفيين من بلدانهم واحتضنتهم اليمن الديمقراطية، وباشر الكثير منهم أعمالهم المعتادة في الصحف والمطابع وموظفين في دوائر مختلفة حسب تخصصاتهم، منهم الشاعر عبد الكريم كاصد الذي باشر عمله في مجلة (الثقافة الجديدة) التي كان يراس تحريرها الشاعر المثقف فريد بركات رحمه الله والشاعر السوداني الكبير جيلي عبد الرحمن الذي باشر عمله في جامعة عدن، وكذلك الشاعر السوداني الكبير مبارك حسن الخليفة والشاعر المصري زكي عمر الذي عمل في صحيفة 14 أكتوبر والكثيرين الذين احتضنتهم عدن الجميلة.

أما الشاعر الكبير سعدي يوسف، القادم من حصار بيروت، فقد اختارته دار الهمداني للطباعة والنشر مستشاراً لها ولمدير عام الدار الأستاذ الشهيد أحمد سالم الحنكي ومشرفاً على إصدارات الدار من الكتب والمطبوعات الصادرة عنها، وكان سعدي رئيس التحرير الفعلي لمجلة (المسار) الصادرة عن الدار.

ويصف الصحفي نعمان قائد سيف في رثاء سعدي يوسف وقد عمل معه ومع الشهيد احمد سالم الحنكي، هذا العمل بانه كان بمثابة بعث الروح في آلات الطباعة المهملة، بتحفيز العمال والفنيين على إصلاحها وتشغيلها، وجذب المثقفين الى صف الدار فكان الابداع المميز في سنوات جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، المأسوف عليها.

 وبالمثل، فقد كان لعدن أثرها في شعر سعدي يوسف، هذه المدينة التي عاش فيها شاعر فرنسا العظيم رامبو فترة من حياته. فلهذه المدينة سحرها وتأثيرها على كل من يعيش فيها ولو لفترة قصيرة، وانعكس هذا على النشاط الثقافي والأدبي الذي اضطلع به سعدي في المحافل والامسيات الشعرية والأدبية في كل من عدن وحضرموت ولحج ويافع التي رافقه في رحلته الى لبعوس عام 1984 الشاعر جنيد محمد الجنيد، الذي قال انه استفاد من سعدي كثيرا في الشعر والأدب، ولم يكن يقصد نفسه فقط بل اجيالا من الشعراء العرب الذين تأثروا بسعدي يوسف وتجربته الشعرية الثرية.

أبدع سعدي عدداً كبيراً من القصائد والدواوين خلال وجوده في عدن فضلاً عن إشرافه المباشر على إصدارات الكتب ودواوين الشعر وكذا المجلات المتخصصة في الأدب وأدب الطفل الصادرة عن دار الهمداني.

وهكذا كانت إقامته حافلة بالعطاء الزاخر لن تنساها الاجيال المثقفة التي ترعرعت ونمت في تلك الفترة الزاهرة من تاريخ اليمن الديمقراطية. فقد كان حضور الشاعر الكبير سعدي يوسف نبراسا ملهما للإبداع والمبدعين. وسيظل شعره وكلماته التي خطها هي الكلمات التي ستقرأها أجيال وأجيال، وسيجدون بين سطورها ما يعيد لهم الامل أو يمنحهم العزاء..

يقول سعدي يوسف في كتابه يوميات المنفي الأخير:

عدن بعيدة.. وعدن في القلب.. ولا مسافة بين القلب والمسافة..

تقول جنوبيون.. تقول يمانيون علمونا اللغة وانطقونا الشعر، ومنحونا امرؤ القيس الجميل..

تطاول الليل علينا دمون..

دمون إنا أخوة يمانيون وإننا لأهلنا محبون..

تقول جنوبيون تقول يمانيون..

سددوا خطاهم من الثورة إلى نظرية الثورة..

ومن نظرية الثورة إلى الثورة..

وأنبتوا في رايات العرب أول نجمة حمراء…

 رحم الله سعدي يوسف .. الشاعر والإنسان ..

*رئيس يمني سابق